روايات

بين عتمة الكلمات ونور الذات كانت “مريم” تقف أمام مرآة غرفة النوم

بين عتمة الكلمات ونور الذات كانت “مريم” تقف أمام مرآة غرفة النوم، تمسك بطرف بلوزتها بتردد، وتطيل التأمل في انعكاس جسدها الذي تغير بعد ولادة طفلها الأول. لم تكن تشكو من شيء سوى من تلك النظرة التي باتت تلاحقها كلما دخل زوجها “خالد” إلى الغرفة. بدأت الأمور تلميحات خفيفة، ثم تحولت بمرور الوقت إلى سخرية معلنة تحت غطاء “المزاح”. كان خالد يجلس مع أصدقائه أو عائلته ويطلق تعليقات لاذعة عن وزنها، أو يقارن مظهرها بنجمات الشاشات، محاولاً إحراجها بابتسامة باردة وكأنه لم يرتكب شيئاً. وكلما حاولت مريم أن تعبر عن انزعاجها، كان يرد ببرود: “أنا أمزح معكِ، لماذا تعقدين الأمور؟

أنتن النساء لا تحببن الصراحة!”. تسلل السـ,ـم ببطء إلى ثقة مريم بنفسها. باتت تتجنب النظر في المرآة، وتفوّت المناسبات الاجتماعية خوفاً من نظراته المترقبة وتعليقاته الجارحة. شعرت أن قيمتها كامنة فقط فيما يرضيه، وأنها باتت غريبة داخل جسدها الذي منح الحياة يوماً. في أحد الأيام، وأثناء تحضيرها لطعام الغداء، دخل خالد المطبخ وألقى بكلمات اعتدى فيها على مظهرها بأسلوب قاسي ومباشر أمام ابنهما الصغير الذي وإن لم يفهم المعاني الكاملة، إلا أنه شعر بالتوتر والخوف في نبرة والده. وقفت مريم جامدة مكانها لبرهة. شريط طويل من صبرها وتحملها مر أمام عينيها، ونظرت إلى ابنها الصغير فرأت الخوف في عينيه.

في تلك اللحظة، حدث شيء ما في دواخلها؛ انكسر حاجز الخوف، واستيقظت امرأة أخرى لم تكن تعرف أنها موجودة. التفتت مريم بهدوء شديد، ووضعت الملعقة من يدها، ثم نظرت إلى خالد نظرة جعلته يتوقف عن الضحك المعتاد. قالت بصوت هادئ، حازم، وخالٍ من الدموع:
بين عتمة الكلمات ونور الذات (الجزء الثاني) نظرت مريم إلى خالد وقالت بنبرة هادئة وحازمة:

“خالد، انتهى العرض. ما تعتقد أنه مزاح يجرى على لسانك، ليس سوى استنزاف مقصود لثقتي وتدمـ,ـير هادئ لبيتنا. جسدي هذا الذي تسخر منه اليوم، هو ذاته الجسد الذي احتـ,ـضن قطعة من روحك ومنحك نعومة الأبوة. إن لم تستطع احترام هذه النعمة واحترامي كشريكة لحياتك، فاحترم على الأقل هذا الطفل البريء الذي يتعلم منك الآن كيف يُهين الإنسان من يُفترض أن يحميهم.”

تراجع خالد للخلف بخطوة واحدة، وبدت على وجهه علامات الذهول ممزوجة بالغضب المكتوم. لم يكن يتوقع منها يوماً أن تواجهه بهذه القوة، فقد اعتاد دائماً أن يراها تنكمش على نفسها وتبتلع دموعها في صمت. حاول كعادته استعادة السيطرة عبر السخـ,ـرية، ففتح فمه ليقول بصوت مرتجف تعلوه السخرية المصطنعة: “يا له من فيلم درامي طويل! كل هذا بسبب…”.

قاطعته مريم بصوت أرفع وأكثر ثباتاً، وهي تشير بيديها نحو الباب: “لا تكمل. هذه المرة لست هنا لأناقشك أو أستجددي إطراءً لا أستمد قيمتي منه أساساً. هذه المرة أضع حدوداً واضحة كالشمس. من الآن فصاعداً، لن أسمح لأي كلمة جارحة أن تعبر عتبة روحي، ولن تقف أمام ابني لتزرع فيه الخوف أو تعلمه التقليل من شأن أمه.”

حملت مريم طفلها الصغير بين قريتي ذراعيها، واتجهت نحو غرفتها بهدوء وثبات، وألقت نظرة أخيرة على مرآة غرفة النوم التي كانت لسنوات طويلة مصدراً لعذابها النفسي. لم تعد ترى في انعكاسها ذلك الجسد الذي يقيسه معيار خالد الخاطئ، بل رأت امرأة تقف بشموخ، أعادت بناء نفسها من رماد الكلمات اللاذعة. في تلك الليلة، لم تبكِ مريم كعادتها. جلست على حافة السرير تطالع طفلها وهو ينام بسلام، وشعرت بأن شيئاً عميقاً بداخلها قد انولد من جديد؛ لقد ولدت مريم القوية التي لا تقهرها الكلمات.

أما خالد، فبقي واقفاً في المطبخ طويلاً، يتردد صدى صوتها الهادئ في أذنيه كجرس إنذار مزلزل، لأول مرة يدرك أن المرأة التي ظنها ملكاً تاماً له، قد استردت نفسها للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى