طول عمر أختي “صفاء” كانت بتقولي الكلمة دي وهي بتبص لزوجتي “هدى” بنظرة تقليل: “أنت كتير عليها يا كريم.. أنت مهندس كبير وهي مؤهلها بسيط وقاعدة في البيت، لولا إنك اتكرمت عليها وارتبطت بيها كانت زمانها في مكان تاني خالص”. الكلمة دي في الأول كانت بتعدي عليا عادي، بس مع الوقت، وبفعل كلام صفاء المستمر، بدأت تتحول لطريقتي في التعامل مع شريكة حياتي، وبقيت أشوفها أقل مني. بقيت وأنا داخل البيت بشوف نفسي صاحب الفضل، وبقيت أشوفها مجرد سيدة بيت محظوظة إن اسمي ارتبط باسمها.
كنت بتعمد أقولها في وسط أي خلاف: “أنا لولايا أنا ومستوايا، مكنتيش هتعيشي في المكان ده ولا تقتني الحاجات دي”. كنت بشوف الكلمة وهي بتجرح مشاعرها. في الأول كانت بتحاول تفكرني إنها بتراعي بيتي وبتربي أولادي وبتساندني في تعبي، بس مع تكرار المقارنات، بدأت تسكت. السكوت ده مكنش اقتناع.. كان استسلام لفكره إني فعلاً “كتير عليها”.
افتكر مرة كنا في مناسبة عائلية، وكانت أختي صفاء بتتكلم عن دراستها وشغلها وسفرها، وبصت لهدى وقالت بابتسامة مصطنعة: “عقبالك يا هدى.. آه صحيح نسيت، أنتِ حدودك شؤون البيت وبس”. أنا يومها مدافعتش عنها، بالعكس، تقبلت الكلام بسخرية وقلت: “الحمد لله إنها لاقية بيت جميل زي ده أصلاً تديره وتطبخ فيه”. لمحت في عينيها نظرة ألم شديدة، بصت في طبقها وسكتت، وتحملت الإحراج الشديد. ومن يومها، مبقتش تطلب تخرج معايا في تجمعات أصحابي أو زملائي في العمل، بقت تتجنب تقعد وسطهم عشان متتحرجش.. وأنا كنت بفضل ده، عشان مظهري الاجتماعي.
الإحساس ده خلاني أفتكر إني أملك زمام الأمور تماماً، طالما أنا اللي بنفق وأنا صاحب المستوى الأعلى. لحد ما في يوم، صفاء أختي جت وقعدت معايا وقالتلي: “طالما أنت ضامن وجودها كده وهادية، ما تشوف حياتك وترتبط بواحدة من مستواك.. واحدة تشرفك قدام الناس وتفهم طبيعة شغلك، وهدى تفضل هنا لتربية الأولاد وإدارة البيت”. الفكرة سيطرت على تفكيري، وقلت لنفسي: “وهي هتعترض؟ هتروح فين بظروفها دي؟”.
دخلت عليها بالليل وبلغتها بالقرار بهدوء تام، من غير تمهيد ومن غير أي مراعاة لمشاعرها. كنت قاعد ومتابع هاتفي وهي بترتب المكان، قلت لها بنبرة عادية جداً: “هدى.. أنا قررت أتجوز.. شريكتي مهندسة معايا في العمل، ومن مستوايا وتفهمني.. وأنتِ طبعاً هتفضلي هنا مع الأولاد، والبيت هيفضل مستقر ومسؤوليتي بالكامل”. كنت متوقع منها غضب، خلاف كبير، أو حتى إنها تعترض وتبكي وتطلب مني أتراجع. كنت مستعد لأي رد فعل يعزز رغبتي في السيطرة ويأكد لي فكرة إنها معتمدة عليا تماماً.
لكن اللي حصل كان غير متوقع تماماً.. هدى وقفت مكانها، وتركت اللي في إيدها في هدوء تام. دارت بعينيها في أركان المكان، كأنها بتسترجع كل السنوات والمجهود اللي قدمتهم. بصتلي نظرة طويلة، نظرة خالية من أي انفعال، نظرة هادية وثابتة خلتني أتعجب لأول مرة. مكنش فيها ضعف المرة دي، كان فيها زهد تام في كل شيء. أخذت نفساً عميقاً، وقالت بنبرة مستقرة ومفيهاش أي تردد: “مبروك يا كريم.. اللي تشوفه، ربنا يوفقك”.
تركتني ودخلت ترتاح في غرفة الأولاد. في اللحظة دي، محستش بالراحة اللي كنت متوقعها. هدوءها المفاجئ ساب جوايا علامة استفهام، بس كبريائي طمني.. قلت لنفسي دي مجرد صدمة أولية وبكرة تتعود على الوضع الجديد. مرت الأسابيع وجه يوم الزفاف، وطول الفترة دي هدى مكنتش بتتكلم، بتقوم بواجباتها المنزلية بمنتهى الدقة، مبتطلبش أي زيادة، ومبتعلقش على أي تفصيلة. ارتبطت بـ “مروة”، المهندسة التي تناسب مستواي العملي والاجتماعي. وعشان المظهر الاجتماعي قدام مروة وأسرتها، وفرت لها سكناً مستقلاً في منطقة راقية وجديدة تليق بها. ومن هنا، بدأ التغيير الكبير والإهمال تجاه هدى.
بقيت مقسم وقتي، بس في الحقيقة، تركيزي الأكبر كان مع مروة، وهدى أصبحت زي التزام روتيني بقوم بيه. بقيت أروح البيت يومين فقط في الأسبوع ببرود شديد. كنت بوجه كل اهتمامي وإمكانياتي لمروة.. خروجات، وسفر، ومظهر فاخر. أما هدى، فكنت بقدم مصاريف البيت بحساب دقيق جداً، وكل ما تطلب ميزانية إضافية لاحتياجات الأولاد، كنت برفض بحدة وأقولها: “الالتزامات كبرت ولازم تقتصدي، أنتِ مقيمة في البيت ومش محتاجة مصاريف خروج ومظاهر زي غيرك”.
كنت بشوف ملامح الأسف عليها، بس بتفضل الصمت. التقصير مكنش بس مادي، ده كان في حضوري واهتمامي. بقيت لما أكون هناك، أركز تماماً في هاتفي أو شغلي، ولو حاولت تفتح موضوع يخص الأسرة، كنت بصدها ببرود: “مش متفرغ للنقاشات دي دلوقتي”. أختي صفاء كانت دايماً تتواصل معايا، ولما تعرف إن تركيزي كله مع مروة، كانت تشجعني وتقول: “هو ده الترتيب الصح.. خليها تعرف إن المظاهر والمكانة للزوجة اللي بتشاركك مجالك وواجهتك، وهي دورها البيت والأولاد”. الكلام ده كان بيغذي غروري ويخليني أشوف إن الوضع ده طبيعي وهي لازم تقبله لأنها ملهاش بدائل تانية.