روايات

سبع سنين كاملة وأنا بشيل غدا وعشا حبيبي لحد عنده. واليوم اللي عرفت فيه أكلي بيروح فين…

— “أنا هخلي السواق يوديلو الدوا… وقومي أعملي شوربة تانية بس خففي الملح، واعملي حساب سارة معاكي عشان معدتها هي كمان بتتعب من أكل الشارع.” بصيت لها… وبعدين بصيت للمطبخ اللي وقفت فيه سبع سنين بعمل أكل لابنها حب وخدمة. وقلت بمنتهى الهدوء: — “أنا مش هطبخ تاني يا طنط.” برقتلي بذهول، وسيف صوت جاء من التلفون: — “ندى!” (كان فيه نبرة تهديد واضحة). يتبعكملت بصتي لـ “طنط ماجدة” وهي واقفة مصدومة، والصوت الطلع من سماعة التليفون بصوت سيف المليان تهديد:

— “ندى! أنتِ بتعلي صوتك على أمي؟” في اللحظة دي، حسيت بحالة انفصال تامة عن الواقع. كأني واقفة بتفرج على مسلسل ثقيل وممل كنت بطلته لسبع سنين كاملة. سبع سنين وأنا بلغي كرامتي، وطموحي، وحياتي عشان أكون “الست البيت الشاطرة” اللي بتراعي ظروف خطيبها اللي بيسعى يبني نفسه. قلت بهدوء لمست فيه نبرة غريبة عليّ: — “أنا مابعلّيش صوتي يا سيف.. أنا بس بعلن نهايتي في المسرحية دي.” طنط ماجدة نزلت العلبة على الترابيزة بربدة، وجمعت ملامحها الحادة اللي كانت بتداريها ورا ابتسامات مزيفة طول السنين اللي فاتت:

— “مسرحية إيه يا روح أمك؟! أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ دا إحنا اللي عملنالك قيمة! نسيتي كنتِ إيه وسيف لما خطبك كان بيعمل عشانك إيه؟ جاية على آخر أسبوعين قبل الفرح وتدبي الخناقة دي عشان شوية أكل ورماهم؟!” مسكت خط التليفون وقلت لسيف بصوت مسموع: — “سيف، الدبلة هتجيلك مع السواق مع العلبة الرصاصي.. وسارة يارب تعرف تضبطله الجنزبيل والشوربة من غير ملح.” وقبل ما ينطق بأي كلمة، قفلت السكة في وشه، وعملتله بلوك.. هو، وأمه، وأخته، وكل حد يمت لفرع عيلته بصلة.

بصيت لطنط ماجدة وقلت بجفاء: — “اتفضلي بره بيتي يا طنط.. البيت ده بيت بابا الله يرحمه، وأنا مش مسموح لأي حد يدخله ويهينني فيه بعد النهاردة.” خرجت وهي بتطرق الباب وراها وبتدعي عليّ وتقول إن سيف ألف مين تتمناه، وإن سارة دي بنت ناس ومحترمة ووالدها صاحب أملاك، مش زيي “بنت موظف غلبان”. أول ما الباب اتقفل، انهارت على الأرض.

البكاء ماكانش على سيف.. البكاء كان على “ندى”. على السبع سنين اللي ضاعوا وأنا بعفر في المطبخ، بعلم نفسي الطبيخ الصح، بأجل دراستي للماجستير عشان أفضى لأكله وعلاجه ومواعيد أذويته، برفض عزومات صحابي عشان ألحق أجهزله الغدا والعشا، وبشتري العلب الرصاصي عشان “شكل جنابه قدام زمايله”. عدى أسبوع كامل وأنا قافلة عليّ الباب. التليفون مابيقفش رن من أرقام غريبة، ورسايل على الواتساب من صحاب سيف يحاولوا يهدوا الموضوع، وكل كلامهم كان بيتمحور حولين: “يا ندى كبري عقلك، دا راجل وعنده ضغوط شغاله، وسارة دي زميلة، وهو مكانش يقصد يرمي الأكل بس كان متضايق!”

محدش فيهم قال كلمة واحدة عن كرامتي اللي اتهانت، ولا عن الكذبة اللي عشتها سبع سنين. في اليوم التامن، قررت أنزل شغلي. أنا كنت شغالة مترجمة فري لانس من البيت، بس كنت مقللة شغلي جدًا عشان أفضى لطلبات سيف وعيلته. كلمت مكتب ترجمة كبير كنت رفضت عرضهم من سنتين، وطلبت أقابل المدير. المفاجأة إنهم رحبوا بيّ جدًا، واستلمت الشغل فورًا في مقر الشركة في وسط البلد. بدأت أرجع لندى القديمة.. ندى اللي بتحب تقرأ، اللي بتهتم بلبسها، اللي ضحكتها كانت بتملى المكان قبل ما سيف يطفيها بحجة “الهدوء والوقار”.

بعد شهرين كاملين من القطيعة، كنت نازلة من الشركة رايحة كافيه قريب، وفجأة لقيت سيف واقف مستنيني جنب عربيتها. شكله كان متغير.. وشه أصفر، خاسس، وعينيه فيها تشتت غريب. أول ما شافني، قرب بسرعة: — “ندى.. أخيرًا شفتك! أنتِ قفلتي كل الطرق في وشي ليه؟” وقفت وربعت إيدي: — “عايز إيه يا سيف؟” سيف اتكلم بنبرة ترجي عمره ما اتكلم بيها معايا:

— “ندى.. أنا أسف. والله العظيم أسف. أنا أدركت قيمتك لما مشيتي.. معدتي متبهدلة، مش عارف أكل من أكل الشارع، وسارة… سارة طلعت واحدة استغلالية، كانت بتعمل الأكل ده عشان تقرب مني وتخليني أترقّيها في الشركة، ولما قفشتها وطردتها، سابت الشغل وعملتلي مشكلة مع الإدارة!” ابتسمت بسخرية: — “يعني سارة طلعت مش طيبة وأكلها مش خفيف على المعدة؟” سيف مسك إيدي بلهفة: — “ندى، أرجوكِ ارجعي.. أمي تعبانة وبتقول مفيش حد هيصونك زي ندى، وأنا عرفت إني ما بحبش غيرك. الفرح هنحدده الشهر الجاي زي ما كنا مكررين، ومش هطلب منك تطبخي تاني خالص لو مش عايزة!”

سحبت إيدي منه بهدوء وقوة: — “عارف يا سيف؟ أنت ما حبيتش ندى.. أنت حبيت الخدمة اللي ندى كانت بتقدمهالك. حبيت وجود حد متاح طول 24 ساعة عشانك، حد بيلغي نفسه عشان يرضيك. سارة ما كسرتنيش.. سارة كشفتك ليّ.” سيف بصلي بصدمة: — “يعني إيه؟ سبع سنين يترسوا في الزبالة عشان غلطة؟” رديت وأنا بصال في عينيه بثبات: — “أنت اللي رميت السبع سنين في الزبالة يوم ما رميت العلبة الرصاصي.. يوم ما استخسرت فيّ كلمة احترام قدام بنت غريبة، ويوم ما سبت أمك تهينني في بيتي. الأكل اللي كنت بعمله بفرغ فيه حب وحنان.. ولما الحب مات، النفس طاب.”

لفيت وضهري له ومشي. سمعته بينادي عليّ بصوت عالي وبيترجى، بس لأول مرة من سبع سنين، صوت سيف ما يحرّكش فيّ شعرة واحدة. مرت سنة كاملة.. سنة كانت كفيلة تتغير فيها حياتي تمامًا. ترقيت في شغلي، وسافرت منحة ترجمة فورية في دبي لمدة ست شهور، ورجعت إنسانة جديدة تمامًا. عرفت فيها يعني إيه بني آدم يحب نفسه ويحترمها قبل ما يستنى الحب من غيره.

في يوم، كنت ماشية في مول كبير، ولمحت سيف بالصدفة.. كان قاعد في كافيه لوحده، وشه مجهد، والعلب البلاستيك بتاعة المطاعم المفتوحة قدامه على الترابيزة. بصلي بالصدفة، وعينيه اتعلقت بيّ.. شاف ندى الواثقة، اللي لابسة شيك، اللي ابتسامتها ملية وشها. قام وقف وكأنه عايز ييجي يكلمني، بس أنا اكتفيت بإني ابتسمتله ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة شكر، لأنه بكسرته ليّ، صحاني من غفلة كانت ممكن تخليني أعيش عمري كله مجرد “طباخة” لراجل ما بيقدرش.

مشيت وكملت طريقي، وأنا شايالة في إيدي شنطة هتسافر بيها بكرة لمؤتمر دولي.. شنطة ما فيهاش ولا علبة أكل رصاصي، بس فيها كل أحلامي اللي عشت سنين فاكرة إنها ملهاش قيمة.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى