
اللحظة اللي قفل فيها كريم السكة كانت زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. الخوف اللي طفح في عينين نهى وفجأة اختفى منه كل ملامح الانكسار والضعف، كان هو خيط الخيط الأول في اللغز. أمها وفاء اتوترت، مسكت إيد بنتها بسرعة وقالت بصوت واطي بس مسموع: — يلا يا نهى.. نمشي من هنا، الراجل ده هييجي يعملنا مشكلة. أنا وقفت في نص الصالة، وناديت على أفراد الأمن بصرامة: — محدش يخرج من باب الشركة! الباب ده يتقفل فورًا!
وفاء صرخت بصوت هيستيري: — أنتِ مجنونة؟! حابسة ست حامل؟! هنطلبلك الشرطة! رديت بمنتهى الثبات والبرود وأنا بربع إيدي: — اطلبي الشرطة يا مدام وفاء، أنا نفسي مستنية الشرطة.. بس كريم على وصول، ومش هو ده الراجل اللي أنتِ جاية تطلبي منه حق بنتك؟ استني خديه!
نهى قعدت على أقرب كرسي، إيدها كانت بترتعش بجد، وبدأت تتنفس بصعوبة. أمها هجمت عليا بالشتائم، بس أنا ماكنتش سامعة حاجة. عقلي كان شغال بياخد التفاصيل ويحللها: لو كريم بيخونني مع نهى بجد، وباني معاها العيلة دي كلها.. ليه يطلب مني أمنعها تمشي؟ وليه يحذرني بالذات إني “ما إديهاش جنيه واحد”؟ ليه مظهرش عليه الخوف من الفضيحة؟ ليه كان خايف على الفلوس؟
أقل من ثلث ساعة، وسرينة عربية فرملت بقوة قدام المبنى. كريم دخل من باب الشركة. قميصه مفتوح عند الرقبة، وشره مشدود، وعرقان كأنه كان بيجري. الموظفين كلهم اتسمروا في أماكنهم. كريم ما بصش لنهى، ولا بص لوفاء.. عينه جائت عليا أنا الأول. قرب مني، مسك إيدي وسألني بصوت طالع بالعافية: — أنتِ كويسة يا ياسمين؟ ضر.بتك؟ هزيت رأسي بالرفض، وأنا ببصله بذهول. أول ما وفاء شافت كريم، صرخت فيه: — يا خاين يا واطي! سيبت بنتك الحامل وجاي تطمن على السنيورة؟! فين فلوس البنات؟ فين حقوقهم؟!
كريم لف ليها ببطء شديد. نظرة عينه اتغيرت تمامًا.. ماكانتش نظرة راجل مقبوض عليه متلبس بالخيانه، كانت نظرة كره واشمئزاز مرعب. قرب من وفاء، وقال بصوت واطي بس يرعب: — أنتِ لسه ليكي عين تظهري تاني؟ بعد كل اللي عملتوه؟ جاية لحد شركة مراتي عشان تنصبي عليها هي كمان؟! نهى وقفت بالعافية، وقالت بدموع: — كريم.. أرجوك، البنات ملهمش ذنب.. أنت المروض تتكفل بينا!
كريم ضحك ضحكة مكسورة مليانة غل، وطلع موبايله من جيبه، وفتحه على ملفات معينة، وبعدين بصلي وقال: — ياسمين.. أنتِ فاكرة الصورة اللي وراها ليكي؟ قلت بصوت متهدج: — القميص يا كريم.. التاريخ.. الضحكة.. الشامة اللي جنب حجبك.. دي مش صورة متعدلة! كريم أخد نفس عميق وقال: — صح. الصورة مش متعدلة. الصورة حقيقية 100%.. وأنا فعلاً الراجل اللي في الصورة. حسيت كأن حد ضر.بني بسـ.ـكين في قلبي. كمل كريم وهو بيبص لنهى وأمها: — بس اللي الصورة دي مش بتقوله يا ياسمين.. إن الصورة دي متصورة من سنة كام.
سكت ثانية ورفع صوته قدام الشركة كلها: — الصورة دي من 7 سنين! يوم ما طلقت نهى رسمياً في المحكمة وخسرت كل قضايا الرؤية والنفقة اللي زورتها هي وأمها! الهدوء نزل على المكان زي الصاعقة. بصيت لكريم مش فاهمة: — طلقتها؟! يعنى أنت كنت متجوزها؟
كريم بصل أوي وقال بأسى: — ياسمين.. قبل ما أعرفك وأتجوزك بـ سنتين، كنت متجوز نهى. جوازة اتفرضت عليا من عيلتي وزمان كانت جحيم. خلفنا 5 بنات.. وفي الحمل السادس، اكتشفت إنها وأمها ماشيين في شبكة نطب ونصب، بيسجلوا عقارات وأملاك باسم البنات وباسم نهى بعقود مزورة وشيكات بدون رصيد، ودبسوني في ديون للركب.. ولما واجهتهم، هددوني بالبنات. سيبت كل حاجة، تنازلت عن أملاكي كلها عشان أخلص منهم وأطلقها، والقاضي ح.كم بالطلا.ق بعد ما أثبت استغلالهم.. وأخدوا الفيلتين والمحلين اللي وفاء بتتفشخر بيهم دلوقتي!
نهى صرخت: — أنت كذ.اب! أنت أكلت حقنا! كريم سحب ورقة مطبوعة من محفظته ورمالها في وشها: — أنا كذاب؟! طب والحمل السادس ده بتاع مين يا نهى؟!! الطفل اللي في بطنك ده ابن مين؟! أنتِ متجوزة عرفي من سنتين من الموزع بتاعكم! وجاية دلوقتي لما الفلوس خلصت منكم، والأملاك اللي أخدتوها مني اتباعت في القمار والنصب.. جاية تدعي إن الحمل ده مني أنا؟! وفاء اتوترت وبدأت تتراجع لورا: — إحنا.. إحنا مالناش كلام معاك، القضاء بيننا!
كريم صرخ فيها: — القضاء؟! القميص الرمادي اللي في الصورة يا ياسمين.. القميص ده أنتِ اشتريتهولي فعلاً من شهرين، بس هما خدوا صورتي القديمة مع البنات من 7 سنين، وعملوا عليها فوتوشوب محترف واستبدلوا قميصي القديم بالقميص الجديد اللي شافوني لابسه في صورة نزلتها مع ملك بنتنا على الفيس بوك من شهر! عشان يثبتوا إن الصورة حديثة وييجوا يبتزوا شركة ياسمين ويطلبوا “فدية” عشان ما يفضحوناش! أنا وقفت أطالع في نهى.. عينيا جات على بطنها. نهى كانت بتبص للأرض، ودموعها بتنزل، بس المرة دي دموع خزي وفضيحة.
كريم كمل وهو بيقرب من نهى: — أنتِ فاكرة إني ماعرفش إنك جيتي الشركة هنا عشان ياسمين هي الشريك الأكبر، وفاكرة إنها لما تخاف على سمعتها وسمعة جوزها هتديكي الملايين اللي طلبتيها في رسالة التهديد اللي بعتيها لي الصبح من رقم مجهول؟! سحبت نفسي بالعافية وقلت: — رسالة تهديد؟ كريم طلع موبايله ووراني رسالة اتجلدت مكانها لما قريتها: “لو مدفعتش 5 مليون جنيه كاش النهاردة، حماة بنتك القديمة هتروح لمراتك ياسمين الشركة، وهتقول للكل إنك جوزها وعندك 6 عيال منها.. والفضايح هتخسرك شغلك وشركتك.”
التاريخ بتاع الرسالة: الساعة 8 الصبح النهاردة! كريم بص لوفاء ونهى وقال ببرود مرعب: — أنا ما جيتش لوحدي يا مدام وفاء.. الشرطة والمباحث واقفين تحت عند الباب، وبلاغ الابتزاز والتزوير والاعتداء على مراتي ياسمين في مكان شغلها صريح ومثبت بكاميرات المراقبة. في اللحظة دي.. دخل إثنين من رجال الشرطة بلبس مدني، ومعاهم أمناء شرطة. وفاء بدأت تصرخ وتصوت: — الحقوني! الراجل ده بيتبلى علينا! بنتي حامل اتقوا الله! ضابط الشرطة قرب وقال بثبات: — اتفضلي معانا يا مدام وفاء.. أنتِ والأستاذة نهى. فيه بلاغ رسمي ضدكم بابتزاز إلكتروني وتزوير واعتداء.
مسكوهم واقتادوهم لخارج الشركة وسط ذهول وصمت تام من كل الموظفين اللي كانوا واقفين. بعد ما المكان فضي.. طلعت أنا وكريم مكتبي. أنا كنت قاعدة على الكرسي، مش قادرة أستوعب كمية الأحداث اللي حصلت في أقل من ساعة. كريم قعد قدامي، حط إيده على إيدي.. إيده كانت بترتعش. قال بصوت مكسور: — ياسمين.. أنا آسف. أنا عارف إني غلطت لما خبيت عليكي إني كنت متجوز قبلك وعندك بنات. بس أنا كنت مرعوب.. كنت طالع من تجربة د.مرت حياتي وشرفي وفلوسي، ولما قابلتك وشوفت نقائك وطيبتك، خفت أقولك تطفشي مني وتفتكري إني معقد أو ورايا جحيم.
بصيت في عينه وقبل ما أتكلم.. سمعت صوت تليفون كريم بيرن. رقم غريب. كريم فتح السبيكر وهو حاطط الموبايل على التربيزة. صوت راجل غريب، حاد وبارد، جه من التليفون: — برافو يا كريم.. تمثيلية ممتازة مع الشرطة، وخلصت من نهى وأمها. بس للأسف.. أنت نسيت حاجة واحدة بس. كريم اتجمد مكانه وسأل برعب: — أنت مين؟! الراجل ضحك ضحكة قذيفة وقال: — أنا اللي نهى وأمها شغالين لحسابه.. والـ 5 مليون دول ماكانوش ليهم، دول كانوا ليا أنا. ملك بنتك الحلوة دلوقتي طالعة من باب المدرسة.. وباص المدرسة مش هيوصلها البيت النهاردة يا كريم.. إلا لما الفلوس تتسلم.
التليفون اتقفل. كريم صرخ بأعلى صوته، وأنا حسيت الدنيا بتدور بيا، والملفات وقعت من إيدي تاني.. السر القديم ماكنش مجرد جوازة قديمة.. السر كان إن كريم كان متورط مع ناس أكبر وأخطر بكثير من مجرد ست وأمها!