بداية الصـ,ـراع: و زنّ لا ينتهي
كانت جلسة العصر المعتادة في بيت العائلة تتكرر سيناريوها كل أسبوع. تجلس الحاجة فاطمة وهي تحتسي الشاي، وتنظر إلى بناتها الثلاث الصغيرات وهن يلعبن، ثم تتنهد بصوت عالٍ ليسمعها ابنها محمود:
“يا محمود يا ابني، العمر بيجري.. وأنا نفسي أشوفلك حتة ولد يشيل اسمك واسم أبوه من بعدك. البنات بكره يتجوزوا ويروحوا بيوت جوزاتهم، ومين يقف جنبك في كبرك؟”
كان محمود يبتسم بهدوء ويحاول إغلاق الموضوع: “يا أمي الحمد لله، البنات نعمة ورزق من ربنا، والتربية الصالحة هي اللي بتبقي.”
لكن الأم لم تستسلم.
بدأت بزيادة الضغط يومًا بعد يوم، وترديد عبارات تضغط على أعصاب مريم، وتلمح لها بضرورة “السماح” لزوجها بالزواج من أخرى، بل وبدأت بالفعل تختار له عروسًا من معارفها وتكرر على مسامعه: “الشرع محلل أربعة، والجوازة الثانية دي عشان الولد بس، ومريم هتقعد على رأسنا من فوق.”
المواجهة والوعي
أحست مريم بضغط نفسي كبير، وزادت دمعتها في خلوتها، ليس خوفًا من عدم الإنجاب، بل حزنًا على طريقة التفكير التي تحملها الذنب وحده.
في إحدى الليالي، جلس محمود مع زوجته ووجدها تبكي، فقال لها بحسم:
“يا مريم، أنتِ شريكة عمري وأم بناتي.
ربنا هو اللي بيكتب الرزق، وأنا راضي ومبسوط بالنعمة دي، ومش هسمح لأي كلام يهد بيتنا.”
قرر محمود ألا يكتفي بالرفض المكتوم، بل أن يواجه موقف أمه بطريقة حكيمة وعلمية في نفس الوقت.
في اليوم التالي، طلب محمود من أمه أن ترافقه هي ومريم إلى طبيب النساء والتوليد للطمأنينة والمتابعة العامة. وهناك، فتح محمود الموضوع أمام الطبيب بطريقة غير مباشرة.
ابتسم الطبيب وشرح للحاجة فاطمة بلغة بسيطة ومباشرة:
“يا حاجّة، علميًا وطبيًا، تحديد جنس المولود (ولد أو بنت) بيكون من الحيوان المنـ,ـوي للرجل مش من بويضة المرأة. يعني من بعد إرادة ربنا، الزوج هو اللي بيحدد النوع.
ومريم ملهاش أي دخل في الموضوع ده، والرضا بالقضاء والقدر هو أساس البركة.”
ساد الصمت الغرفة، وشعرت الحاجة فاطمة بالحرج والخجل، فلأول مرة تدرك هذه الحقيقة بعد كل سنوات عمرها.
النهاية: الرضا هو الكنز
خرج الجميع من عند الطبيب، وفي طريق العودة، أخذت الحاجة فاطمة نفـ,ـسًا عميقًا، ونظرت إلى مريم ثم طبطبت على يدها وقالت:
“سامحيني يا مريم يا بنتي.. الجهل وحكايات زمان هما اللي كانوا معميين عيني.
البنات دول نعمة ربنا، ومحمود ربنا يباركله فيهم وفيِك.”
ومن يومها، تغيرت معاملة الحاجة فاطمة تمامًا، وأصبحت تفتخر ببنات محمود في كل مجلس، وتدرك أن البركة والخير في الذرية الصالحة بغض النظر عن كونها ذكرًا أم أنثى.