روايات

كانت مريم تؤمن أن البيوت لا تُبنى فقط على الحب

كانت مريم تؤمن أن البيوت لا تُبنى فقط على الحب، بل على الأمان والتفاصيل الصغيرة. كانت تعيش مع زوجها “طارق” حياة هادئة استمرت لخمس سنوات، تجمعهما رغبة مشتركة في بناء مستقبل دافئ، أو هكذا كانت تظن. في إحدى أمسيات الشتاء، عاد طارق من العمل منهكًا وسقط في نوم عميق، تاركًا هاتفه على الطاولة المجانية بجوار السرير. رنّ الهاتف بإشعار رسالة متأخرة. لم تكن مريم من النوع الفضولي أو الشكاك، لكن المظهر الغريب للاسم المعروض على الشاشة (“مهندس الصيانة”) والوقت المتأخر (الواحدة صباحًا) أثارا في قلبها انقباضة مفاجئة.

فتحت الرسالة، لتتغير حياتها في ثوانٍ معدودة. “شكراً على الوقت اللطيف اليوم، اشتقت لك.” سقطت الكلمات عليها كالصـ,ـاعقة. لم تكن الرسالة مجرد خطأ، بل كانت خيطًا لكتاب كامل من الخيانة. بلمسات مرتجفة، فتحت المحادثات السابقة لترى صورًا، ووعودًا، وغراميات كانت تُكتب بينما كانت هي تنتظره بطعام ساخن وقلب محب. في تلك اللحظة، لم تصرخ مريم، ولم تبكِ. شعرت ببرودة تسري في جسدها، وكأن كل ما عاشته كان مجرد سراب.

لحظة المواجهة
لم توقظه في منتصف الليل لتفتعل مشاجرة؛ بل جلست في الصالة تتأمل شروق الشمس، تصيغ أفكارها وتستجمع شتات نفسها. كانت تعلم أن الغضب يضيع الحقوق، وأنها بحاجة للوقوف على أرض صلبة. في الصباح، وهي تقدم له القهوة كالمعتاد، وضعت الهاتف أمامه مفتوحًا على المحادثة. تغير وجه طارق، وشحب لونه. بدأ بالارتباك المعتاد: “أنتِ تفهمين الأمر خطأ!” “هذا مجرد مزاح بين أصدقاء العمل.” “أنا أحبك أنتِ، هي لا تعني لي شيئًا!”

نظرت إليه مريم بهدوء لم يتوقعه، وقالت: “الخيـ,ـانة ليست خطأً في الفهم يا طارق، الخيانة قرار. وأنت قررت أن تبيع كل ما بيننا مقابل نزوة.” القرار والبداية الجديدة
حاول طارق الاستعطاف والاعتذار، ومارس كل أشكال الرجاء والتوسل، لكن مريم كانت تدرك شيئًا واحدًا: من يكسر الثقة مرة، يحول الحياة إلى سجن من الشك والظنون. جمعت حقائبها بكرامة، وقررت الابتعاد. لم تكن الطريق سهلة، فكسرة القلب تحتاچ وقتًا لكي تلتئم، لكنها تعلمت أن خسارة شخص لا يقدر وجودك هي في الحقيقة كسب للنفس.

بعد مرور عام، كانت مريم قد استعادت شغفها بالعمل، وبنت حياتها من جديد على أسس من القوة والاستقلالية. لم تعد تنظر للماضي بألم، بل بامتنان لأنها اكتشفت الحقيقة ورضيت بأن تختار نفسها. مرّت السنوات، وأصبحت قصة طارق بالنسبة لمريم مجرد فصل طُوِيَ من كتاب حياتها، فصلٍ تعلمت منه ألا تساوم على كرامتها مطلقاً. افتتحت مشروعها الخاص في التصميم الداخلي، وهو الشغف الذي طالما أجلته خلال سنوات زواجها، وأصبحت استقلاليتها وسلامها النفسي هما مكسبها الأكبر.

أما طارق، فقد أدرك متأخرًا حجم الخسارة. لم تكن المحاولة هي الوحيدة؛ بل ظل شهورًا يراقبها من بعيد، يحاول التواصل معها عبر المعارف والأصدقاء، ويطرق كل الأبواب لعلها تمنحه فرصة ثانية. كان يظن أن الغضب سيهدأ وأن الأيام ستنسيها، لكنه لم يفهم أن مريم لم تكن غاضبة، بل كانت قد تجاوزت المرحلة بالكامل ولم يعد له وجود في حاضرها أو مستقبلها.

وفي أحد الأيام، وأثناء مشاركتها في معرض تصاميم كبير، التقت بمريم صديقة مشتركة قديمة. دار بينهما حديث هادئ، وقبل أن يفترقا، قالت لها الصديقة بفضول: “طارق يعيش في ندم دائم يا مريم، ولم يتزوج حتى الآن، ويخبر الجميع أن أكبر خطأ في حياته كان خسارتك.. ألا تفكرين في مسامحته؟” ابتسمت مريم ابتسامة صافية، تتجلى فيها القوة والرضا، وقالت بثبات:
“لقد سامحته بالفعل يا عزيزتي، المسامحة كانت لأجلي حتى لا أحمل ثقل الكره في قلبي.. لكن المسامحة شيء، والعودة شيء آخر تماماً. هناك أبواب عندما نغلقها، نغلقها لننقذ أنفسنا، ولا يُفتح الباب مرتين لشخص هدم البيت بيده.”

غادرت مريم المعرض بخطوات واثقة ونفس مطمئنة. كانت تشعر بالدفء ليس لأنها وجدت شخصاً آخر، بل لأنها وجدت نفسها، وعلمت يقيناً أن الأمان الحقيقي لا يمنحه لنا الآخرون، بل نبنيه داخلنا ولا نسمح لأحد بأن ينتـ,ـزعه منا مجدداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى