أنا روحت لوالدك وقولتله إننا مش متفاهمين. وقولتله إنك مقصرة ومهملة ومبتعرفيش تديري بيت. قولتله إن صبري خلص، وإنك لو رجعتي معايا البيت المرة دي، هتبقى دي فرصتك الأخيرة قبل ما يحصل الانفصال. عيلتك متضايقة منك، وعيلتي مستنيين الفرصة عشان ينهوا عقد إيجار المحل اللي والدك واخده مننا. قدامك حل من اتنين: يا ترجعي البيت وميكنش ليكي أي صوت ولا طلبات، وتوافقي على كل قراراتي.. يا إما ننفصل وتسيبي المكان هنا وتتحملي كلام الناس وابنك هيفضل معايا.
كان بيتكلم ببرود شديد، مستني يشوف استسلامها الكامل. مريم كانت واقفة سانة ضهرها على حيطة الصالة القديمة في بيت والدها، دموعها كانت نشفت من كتر الضغط والحزن. بصت لطفلها الصغير اللي نايم على الأريكة، وبعدين بصت لطاهر وقالت بصوت هادي وحاسم: “حاضر يا طاهر.. هرجع معاك.” هو ابتسم ابتسامة انتصار زائفة، وسابها ونزل وهو متأكد إنه فرض سيطرته بالكامل.
طاهر ومريم متزوجين من خمس سنين. زواج تقليدي، لكن طاهر كان باصص للموضوع من زاوية إن والدها راجل بسيط وشغال في محل ملك لعائلة طاهر. من أول فترة زواج، وطاهر عنده إحساس بالنقص؛ مريم متعلمة ومعاها شهادة وواعية، وهو تعليمه بسيط، وبيحاول يثبت ذاته بالسيطرة في كل موقف. عشان يضمن إن مريم متقدرش تعترض على تصرفاته، بدأ خطة للتقليل من شأنها وهدم ثقتها بنفسها. في كل قعدة وسط عيلته، كان يدخل متذمر ويقول: “تعبت يا أمي.. البيت مهمل، والأكل ملوش طعم، والهانم مش مهتمة بحاجة.”
والدته، الحاجة توحيدة، كانت شخصية متحيزة وترفض تشوف أي تقصير من ابنها، فكانت توجه كلاماً قاسياً لمريم في كل مناسبة: “بنت مرزوق مش مقدرة النعمة، ومجابتش غير المشاكل لابني.” الموضوع ملوقفش هنا. طاهر كان بيحاول يضغط عليها من كل اتجاه؛ كان يروح لوالد مريم، الراجل الكبير الطيب، ويقعد معاه ويقوله بتمثيل: “يا عمي أنا شاري بنتك، بس هي مقصرة، وسايبة الولد ومش مهتمة بالبيت، وأنا بتعب وشقيان في الشغل وأرجع ألاقي مشاكل. اتكلم معاها يا عمي، أنا مش عايز البيت يتخرب.”
والد مريم، من خوفه على استقرار بنته ومن خوفه من نظرة المجتمع للمطلقة، كان بيعاتب مريم بقسوة: “هتخربي بيتك؟ عايزة الناس تتكلم علينا؟ اسمعي كلام زوجك وبطلي عناد!” مريم كانت بتتحمل ضغوطاً فوق طاقتها. البيت كان في قمة النظافة والترتيب، والأكل جاهز قبل رجوعه، ولسانها طيب.. لكن طاهر كان دايماً يفتعل الأخطاء. لو لقى حاجة بسيطة مش مظبوطة، يكبر الموضوع ويسمّع الجيران ويبعت لأختها ويقول: “شوفوا التقصير!”
لحد ما جت النقطة الفاصلة.. طاهر كان واخد قرض بنكي رسمي باسم مريم عشان يوسع تجارته، ولما جه وقت السداد، اتعثر وطلب منها تبيع مصوغات والدتها الذهبية اللي محتفظة بيها كذكرى. مريم رفضت وقالتله: “دي ذكرى من والدتي الله يرحمها يا طاهر، وأنت عندك مدخرات في البنك تقدر تتصرف منها.” طاهر غضب بشدة واعتدى عليها، وطردها وأخد مقتنياتها وقال لأهلها: “بنتكم أخدت فلوس المحل ورفضت تديني الدهب عشان تسدد اللي أخدته!”
أغلب الناس صدقوا رواية طاهر، الراجل التاجر صاحب المحلات اللي متحمل خلافات بيته. عيلته قاطعوها، وأهلها حاصروها باللوم في البيت وبقوا يوجهولها أصابع الاتهام. والدها قالها: “هترجعي لزوجك وتعتذريله عشان الموضوع ميوصلش للقضاء.” لما طاهر جه البيت عشان يفرض شروطه، كان متخيل إنه كسب الجولة خلاص. دخلت مريم بيت طاهر وهي ساكتة تماماً، هدوء يسبق خطوات محسوبة بدقة. طاهر كان داخل بتعالي، رمى مفاتيحه على الطاولة وبصلها باستهزاء وقال: “يلا، المطبخ محتاج ترتيب من يومين، جهزي العشا لأمي وأخواتي، جايين يسهروا ويشوفوا الوضع الجديد.”
مريم هزت رأسها بهدوء ونبرة ثابتة: “حاضر يا طاهر.. كل حاجة هتتوضح الليلة.” طاهر استغرب من هدوءها، بس غروره خلاه يظن إنها استسلمت تماماً. دخل يرتاح شوية لحد ما عيلته يوصلوا، وهي دخلت ترتب أوراقها وأفكارها. مريم كانت عارفة نقطة ضعف طاهر: هو بيعتمد عليها في كل الحسابات والتعاملات الرسمية لقلة خبرته بالأوراق، وكان بيستغل معرفتها في إدارة معاملاته المالية. فتحت خزانتها بالمفتاح الخاص وطلعت ملفاً كانت مسجلة فيه كل مليم أخده طاهر من القرض اللي باسمها، مع إيصالات التحويلات لحسابه الشخصي، ومعاهم تسجيلات صوتية بتوضح تهديده ليها واختلاقه للاتهامات للضغط عليها والتنازل عن حقوقها.
الساعة تسعة مساءً، اتجمعت العائلة في الصالة: والدته الحاجة توحيدة قاعدة بجمود، وأخواته مستعدين للعتاب، وطاهر قاعد في صدارة المكان بابتسامة انتصار، ووالد مريم قاعد على طرف الأريكة مطأطأ الرأس من الحرج. توحيدة قالت بصوت واضح: “أهو مريم رجعت، وأتمنى متكررش المشاكل دي تاني، وابني راجل محترم وصابر كتير!” طاهر بص لمريم وهي داخلة بصينية الضيافة وقال بتعالٍ: “حطي العصير يا مريم، واعتذري لوالدتي قدام الكل على تصرفاتك اللي فاتت.”
مريم وقفت في منتصف الصالة بثبات تام، وقالت بصوت قوي: “أنا مش هعتذر يا طاهر.. اللي مفروض يعتذر ويتحمل نتيجة أفعاله هو أنت.” ساد الصمت في المكان، وطاهر وقف بغضب: “أنتِ بتعلي صوتك قدام أهلي؟ قسماً بالله مش هسمحلك تتجاوزي حدودك هنا!” مريم طلعت من حقيبتها ملف الأوراق والتسجيل الصوتي وشغلته بوضوح. ظهر صوت طاهر وهو بيقول: “أنا هحملك مسؤولية العجز المالي في المحل يا مريم، ووالدك هنهي عقد إيجار محله لو متنازلتيش عن حقوقك والدهب عشان أسدد القرض اللي سحبته لحسابي، والناس كلها هتصدقني لأني تاجر معروف وأنتِ من عيلة بسيطة.”
الصدمة ألجمت الحاضرين، ووالد مريم رفع رأسه والذهول والأسف ماليين عينيه. تابعت مريم بحزم: “القرض اللي باسمي قيمته 600 ألف جنيه، اتحول لحسابك بتفويض غير قانوني، والمحامي بتاعي حالياً بيقدم البلاغ الرسمي بالمستندات وكشوفات الحساب اللي تثبت خيانة الأمانة واستغلال الاسم.. وبالنسبة لمحل والدي؟ العقد محرر بنظام الإيجار القديم وموقع من جدك وجميع الإيصالات مسددة بانتظام، يعني ملكش أي سند قانوني لإنهاء العقد.” طاهر ارتبك تماماً والغرور اتبدل لقلق حقيقي: “مريم.. اهدي، إحنا بيننا بيت وعشرة وابن، المواضيع متتحلش بالقضايا!”
توحيدة وقفت وقالت بانفعال: “هتبلغي عن ابني؟ مش هنسيبك تعملي كده!” والد مريم وقف في اللحظة دي وتكلم بحزم شديد: “كفاية لحد هنا! بنتي بريئة ومظلومة، وأنا كنت غلطان لما صدقت الادعاءات عشان خفت من كلام الناس، ومن اللحظة دي كرامة بنتي وحقها خط أحمر!” مريم وجهت كلامها لطاهر وخلعت خاتم الزواج وقالت: “ابني في حضانتي بالقانون، وكافة حقوقي المالية والمؤخر ونفقة الطفل هاخدها كاملة، يا إما ننهي الأمر بالمعروف وتكتب تنازل عن المحل لوالدي، يا إما القانون هياخد مجراه في كل تجاوز ارتكبته.”
طاهر، اللي كان متخيل إنه مسيطر على الموقف، وجد نفسه أمام المساءلة القانونية نتيجة تصرفاته. وبنبرة منك.سرة نطق: “أنتِ.. طا.لق.” خرجت مريم من المنزل وهي تحمل طفلها، رافعة رأسها بثقة ووالدها يقف إلى جوارها داعماً لها، لتثبت أن مواجهة الظلم بالحكمة والأدلة القانونية هي السبيل لاسترداد الحق والكرامة.