الساعة كانت 3:04 الفجر، لما “شريف” حدف المفاتيح على السرير وقالها بنبرة كأنها ملهاش قيمة:
— لو القعدة مش عاجباكي وحملك تقيل عليكي.. انزلي نامي في العربية.
”نيرة” كانت في آخر الشهر التامن (34 أسبوع). رجليها متورمة كأنها بلالين، ضهرها مكسور، والبنت اللي في بطنها عمالة ترفس كأنها حاسة بالقهر اللي أمها فيه. كانوا عايشين في شقة إيجار في شبرا الخيمة، دور رابع من غير اسانسير. شقة ريحتها رطوبة، وسلالمها مكسرة، والكشك اللي تحت العمارة صوته مبيفصلش.
لما اتجوزوا، شريف كان بيتحايل عليها ويقولها:
”نعيش في عشة، بس نبقى مع بعض يا نيرة.”
وهي صدقته!
نيرة كانت شغالّة في كوافير في مصر الجديدة بتعمل “أكريليك” وتركب رموش، وكانت بتساعد في مصاريف البيت، وتسند معاه في الجمعيات، وتعمله الأكل اللي بيحبه.
بس من أول ما الدكتورة قالتلها: “يا نيرة ضغطك عالي ولازم ترتاحي قعدة البيت”، وشريف اتحول 180 درجة!
بقيت تحس إنه بيعد عليها اللقمة. يتأفأف من سعر الفيتامينات، يبرطم لما تطلب فاكهة، ويصوت لو شغلت السخان كتير. والأوسخ من كده.. كان بيتضايق عشان بتقوم تخش الحمام في الليل!
— “أنا ورايا طفاح دم الصبح في الشغل! انتي قاعدة طول النهار حاطة رجل على رجل!”
نيرة كانت بتعتذر له بالدموع.. تصدق؟ تعتذر عشان ماشية بطيء، أو عشان بتتنفس بصوت عالي من الكتمة، أو عشان بتعيط في السر لما وسطها يوجعها!
9 ليالي في الفيات الشاهين
في الليلة دي، نيرة قعدت على طرف السرير، ماسكة بطنها وبتهدي نفسها:
— معلش يا شريف.. حاسة بطني محجرة أوي ومش عارفة أتنفس.
شريف قام ولع النور في وشها بغل:
— أنا خلاص جيبت أختري! مش عارف أنام في أم العيشة دي!
— أمال أعمل ايه يا شريف؟
مسك مفاتيح العربية “الفيات الشاهين” البيضا القديمة وحذفها في وشها:
— انزلي الكرسيين ورا بيتفردوا. مش هتمـ,ـوتي يعني لو نمتي كلمتين تحت!
نيرة اتجمدت مكانها:
— أنا في التامن يا شريف! بنتك في بطني!
— وأنا قرفت! أنا اللي بدفع الإيجار وأنا اللي طافح الكوتة، من حقي أنام ساعة عدلة!
استنته يحن.. استنته يقولها “تعالي في حضني معلش”.. استنته يبص لبطنها حتى!
بس شريف أدى ضهره، شد اللحاف، وطفى النور.
نزلّت نيرة الـ 4 أدوار وهي ساندة على الحيطة. ماسكة خدادية الحمل، وكوفرتة خفيفة، وقزازة مية.
كل درجة سلم كانت بتحس كأن سـ,ـكينة بتتغرس في ضهرها.
تحت في الشارع، العربية كانت ريحتها تراب وشكمان وسجاير مكتومة. اتكعبلت واتحشرت في الكرسي الوراني، حزام الأمان بيغرس في جنبها، وبطنها مزقومة في ظهر الكرسي القداماني.
مغمضتش عينها. طول الليل خايفة من صوت كلاب الشارع، الموتوسيكلات اللي بتجري، وعيال القهاوي اللي رايحين جايين.
الساعة 6:22 الصبح، تليفونها نور برالة من شريف:
”اطلعي بسرعة قبل ما حد من الجيران يشوفك.”
ولا كلمة “أسف”.. ولا “اطمنتي؟”.. مجرد “إذن” إنها ترجع جحرها!
الليلة العاشرة: الكشف الرهيب!
الوضع ده اتكرر 9 ليالي!
كل ما نيرة تتقلب كتير، أو تعيط من الوجع، أو تطلب منه يدهنلها ظهرا بفولتارين.. يرفع مفاتيح الشاهين في وشها! وهي كانت بتنزل في السكات عشان خايفة من الفضايح.
مقلتش لأمها في بها عشان ست كبيرة ومريضة سكر وتضغطها ميعلاش.
ومقلتش لصاحباتها عشان شريف كان دايماً يغسل دماغها بـ “مشاكل بيتنا م تطلعش بره”.
في الليلة العاشرة، الجو كان ساقعة وتكتكة. نيرة صحيت على صوت عربية جيب بيضا بتعدل نورها في وش العربية الفيات.. النور ضـ,ـرب في عينها!
حد خبط على الزجاج:
— نيرة؟! انتي بتعملي ايه هنا؟!
دي كانت الحاجة “فاتن”.. أم شريف! حماتها!
طالعة من عربيتها بلبس البيت والعباية ومذهولة!
نيرة حاولت تخبي الكوفرتة، حاولت تبتسم وتقول “أصل الهواء تحت حلو”.. بس انفجرت!
انهارت وحكتلها على الـ 9 ليالي، والرسائل، والسلالم، والقهر، والرعب وهي مستنية “الpermission” عشان تطلع شقتها!
الحاجة فاتن وقفت ساكتة ثواني.. ملامحها تحولت لغضب يرعب. بصت لبلكونة ابنها في الدور الرابع، وقالت بصوت طالع بالعافية من الصدمة:
— أنا مربتش راجل يعمل كده في مراته وهي شايلة ضناه!
راحت فتحت شنطة عربيتها الجيب، وطلعت منها فولدر أحمر كبير تقيل أوي ومربوط بأستك..
مسكت إيد نيرة وقالتلها بكل قسوة وصرامة:
”تعالي معايا يا نيرة.. الفجر ده شريف هيتربى درس هيندمه على اليوم اللي اتولد فيه.. والملف ده فيه اللي هيخليه يركع تحت رجليكي!”طلعت الحاجة فاتن الـ 4 أدوار وهي بتنهد من الغضب، نيرة كانت طالعة وراها بتمشي بالعافية، بس المرة دي السلم مكنش بيوجع ضهرها قد ما كان يوجع قلبها الخوف من اللي جاي. وصلوا باب الشقة. الحاجة فاتن مخبطتش بهدوء، دي خبطت برجلها خبطة هزت الخشب والحيطة. شريف فتح الباب وهو بيمسح عينيه، منرفز وعينيه حمرا من النوم:
— فيه ايه يا جماعة؟ حد يخبط كده الفجر؟
بس كلامه اتقطع أول ما شاف أمه واقفة، وبجنبها نيرة ماسكة بطنها والكوفرتة على دراعها. شريف اتلجم، لسانة اتعقد، وعينيه زادت بين نيرة وأمه. الحاجة فاتن زقته بعنف ودخلت جوه الصالة، وقفت في نص الشقة ورمت الفولدر الأحمر التقيل على الترابيزة الخشب. الصوت كان زي ضـ,ـربة نـ,ـار في هدوء الفجر. — “الفيات الشاهين يا شريف؟”
قالتها الحاجة فاتن بصوت واطي بس مرعب، صوت أمهات الصعيد لما يتكلموا بجد.
— “جايب بنت الناس من بيتها مكرمة، شغالّة وشايلة معاك، ولما ربنا يرزقك بالضنى، تنيمها في الشارع عشان حضرة جنابك عايز تنام ساعة عدلة؟”
شريف حاول يلم الموضوع بسرعة، بكياسة المزيفين:
— يا أمي انتي فاهمة غلط.. نيرة هي اللي دماغها ناشفة، بتنزل تهوي نفسها تحت لما الجو بيكتم، أنا مقلتلهاش نيمي في العربية! نيرة بصتله بذهول من جراءته وكذبه. بس الحاجة فاتن مسكت تليفون نيرة من إيدها، فتحت الرسائل، وقرأت بصوت عالي وهي بتبصله بقرف:
— “اطلعي بسرعة قبل ما حد من الجيران يشوفك.”
— “الكرسيين ورا بيتفردوا.. مش هتمـ,ـوتي يعني لو نمتي كلمتين تحت!”
الحاجة فاتن رمت التليفون على الكنبة وبصت لابنها ونطقت بكل قسوة:
— “انت طلعت عيل يا شريف. طلعت عيل وندل، وأنا اللي كنت فاكرة إني بربي راجل يسند البيت.” شريف وشه جاب ألوان، الغضب اتملك منه وقال وهو بيزعق:
— “يا أمي دي مراتي! ومشاكل بيتنا متخصش حد! انتي جاية الفجر عشان تعملي عليا حكاية؟ الشقة دي أنا اللي بدفع إيجارها، والأكل اللي بتاكله أنا اللي جايبه!” هنا.. الحاجة فاتن ابتسمت ابتسامة سخرية مريرة، وقربت من الترابيزة، فكت الأستك من على الفولدر الأحمر، وطلعت منه رزامة ورق رسمي مختوم بختم نسر ورق أصفر قديم وجديد.
— “انت بتدفع الإيجار يا شريف؟”
أمه قالتها وهي بتبتسم بثقة يرعب:
— “الشقة دي.. والعمارة دي كلها بالمحلات اللي تحتها.. باسمي أنا من 10 سنين بعد ما أبوك مات. انت مش بتدفع إيجار لغريب، انت بتدفعلي أنا الإيجار اللي كبرتك بيه وعملتلك بيه المعرض اللي شغال فيه!” شريف اتسمر مكانه. عيونه اتوسعت وبص لورق العمارة، وبعدين بص لأمه مش مصدق.
كملت الحاجة فاتن وهي بتقلّب في الورق وبصوت حاسم زي السيف:
— “ومش بس كده يا ابن بطني.. ده عقد البيع والشراء بتاع معرض العربيات المستعملة اللي انت شغال فيه ومستقوي بيه.. المعرض مكتوب باسمي، وانت مجرد مدير بياخد نسبة! والملف ده فيه كل الفواتير والتنازلات اللي تثبت إني أقدر أرميك في الشارع بكرة الصبح، ملط من غير مليم، ولا حتى معاك ثمن سجايرك!”
شريف حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه. غروره، وصوته العالي، وقسوته على نيرة.. كل ده انهار في ثانية واحدة أمام الحقيقة. هو مكنش السي السيد اللي بيصرف، هو كان عايش في خير أمه اللي كانت سايباه فاكر نفسه “راجل البيت” لحد ما طغى وتجبر. — “يا أمي.. انتي بتقولي ايه؟ بتكسريني قدام مراتي؟” شريف قالها بصوت متقطع، كبرياؤه بيتحضر في الرمق الأخير.
الحاجة فاتن لفت لنيرة، مسكت إيدها المورمة بحنية ودفا، وبصت لشريف بنظرة احتقار:
— “أنا بكسر الظلم يا شريف. اللي ميرعيش ربنا في حتة منه وفي ولده، ملهوش أمان. من النهارضة.. الشقة دي باسم نيرة، والمحل اللي تحت باسم نيرة وبتكتبلها بكرة الصبح في الشهر العقاري عشان يضمن مصاريف ولادتها ومستقبل البنت اللي جاية.” شريف اتجنن:
— “انتي بتنقولي أملاكي لمراتي؟!”
— “أملاكي أنا يا فالح!” زأرت فيها الحاجة فاتن بصوت هز الشقة.
— “وانت بقى يا شريف.. مفاتيح الشاهين البيضا اللي كنت بترميهالها.. هتاخدها دلوقتي، وتنزل تنام فيها! مش ليلة ولا تسع ليالي.. لحد ما تتربى، وتعرف قيمة القرش وقيمة الست اللي شالت اسمك وصانتك وقت فقرك!” شريف بص لنيرة بقلة حيلة، كان مستني منها تتكلم، تترجاه، أو تقول لأمه “بلاش يا حاجة”.. بس نيرة بصتله بثبات غريب، بدموع محبوسة، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع واحد بيتولد من جديد.
نيرة مشيت بالراحة، وقفت قدامه، ومسكت مفاتيح الفيات الشاهين من على الترابيزة، وحطتها في إيده بقوة وقالتله بنبرة هادية بس أتقل من الجبل:
— “الكرسيين ورا بيتفردوا يا شريف.. والجو تحت ساقعة، بس مش أسقع من قلبك.. انزل نام، وافتكر إن الساعة بقت 4 الفجر.” شريف وقف عاجز عن الرد. أمه شاورتاه بإيدها ناحية الباب من غير ولا كلمة زيارة. مسك المفاتيح بإيد بتترعش، وخرج مطأطأ الرأس، يقفل الباب وراه بالراحة، لأول مرة وهو بيسمع صوت خطواته على السلم المكسر وهو نازل للشارع الضلمة.
الحاجة فاتن أخدت نيرة في حضنها، وقعدتها على السرير، وغطتها باللحاف الدافئ:
— “نامي يا بنتي واطمني.. حاميكي ربنا، وبعده أنا.. وبنتك هتتولد في عز مش هتشوف فيه قهر أبداً.” غمضت نيرة عينها، ولأول مرة من 9 ليالي، البنت اللي في بطنها هديت رفستها، ونيرة نامت ندمانة بس مرتاحة.. والصوت الوحيد اللي كان مسموع في شبرا الخيمة وقتها، هو صوت فتح باب العربية الشاهين تحت في الشارع، عشان شريف يجرب طعم اللي دوقه لمراته.