العروس والغريب في قاعة الانتظار كانت عقارب الساعة الحائطية القديمة في قاعة انتظار مستشفى “السيدة مريم” تأكل الوقت بتكتاك رتيب ومزعج ($تك… تك… تك$). في الزاوية المعتمة، كانت سارة تجلس وفستان زفافها الأبيض الأسطوري ينسكب حولها على الأرضية الباردة. كان الفستان مرصعاً بآلاف الحبات الزجاجية الصغيرة التي تعكس الضوء الباهت، لكنه كُسِر بشرائط من الطين والجفاف عند أطرافه السفلى. شعرها المصفف بعناية بدأ يتفكك، ومكياج عينيها كان يبكي حزناً غامضاً. لم تكن تبدو كعروس تهرب من عريسها، بل كعروس تهرب من المجهول.
فجأة، انفتح الباب الخشبي الثقيل لقاعة الانتظار. دخل رجلٌ ناهز الأربعين، يرتدي معطفاً مطرياً داكناً ومبتلاً، رغم أن السماء في الخارج لم تكن تمطر! كان يحمل في يده حقيبة جلدية قديمة ومغلقة بقفل نحاسي، وتفوح منه رائحة الغبار والورق القديم. توقفت عيناه الرماديتان الحادتان على العروس. لم يبدُ عليه الذهول من رؤية امرأة بفستان زفاف في قاعة انتظار مستشفى مهجور في منتصف الليل. بدلاً من ذلك، هز رأسه ببطء، وجلس في المقعد المقابل لها تماماً.
ساد الصمت لعدة دقائق، صمت ثقيل يمكنك سماع دقات القلوب خلاله. قاطع الرجل الصمت بصوت هادئ، وعميق: “الهروب بالفستان الأبيض دائماً ما يكون أكثر لفتًا للانتباه، يا سارة.” انتفضت سارة في مكانها. تجمدت الدـ,ـماء في عروقها. “كيف… كيف تعرف اسمي؟ من أنت؟” سألت بنبرة ترتجف، وهي تضم باقة الورد الذابلة إلى صدرها كأنها درع حماية. ابتسم الغريب ابتسامة باهتة، ولمس قفل حقيبته الجلدية بأصابعه الطويلة: “أنا لستُ من دعاة حفل الزفاف، إن كان هذا ما يقلقك. ولستُ رجلاً أرسله عريسك ‘شريف’ ليعيدك.”
عند سماع اسم “شريف”، شحب وجه سارة أكثر. تراجعت للخلف واقشعر بدنها. “إذاً من تكون؟ ولماذا تتبعني إلى هذا المكان؟” أنزل الغريب رأسه قادماً بجسده للأمام قليلاً، وقال بنبرة مليئة بالغموض: “أنا لا أتبعكِ.. بل أنتِ من أتيتِ إلى ساعتي. قاعة الانتظار هذه ليست في المستشفى الذي تظنين أنكِ دخلتِه. ألم تلاحظي أن الساعة الحائطية تمشي بالعكس؟” نظرت سارة برعب فوراً إلى الساعة على الجدار… كانت العقارب بالفعل تتحرك من اليمين إلى اليسار!
اللغز يتكشف تنفست سارة بسرعة وسألت، والدقات تتسارع في صدرها: “ما هذا السحر؟ ماذا يحدث لي؟ لقد كنت في السيارة مع شريف… كنا في طريقنا للقاعة، ثم…” قطع الغريب حديثها: “ثم اكتشفتِ السر، أليس كذلك؟ السر المخبأ في صندوق قفازات سيارته. الخاتم الثاني… الاسم الآخر… والورقة التي تحمل تاريخ الليلة، ولكن قبل عشر سنوات!” اتسعت عينا سارة، وانهارت دموعها أخيراً:
“كيف تعرف؟ من أين تعرف أن شريف تزوج ثلاث مرات قبلي، وأن كل زوجاته اختفين في نفس ليلة الزفاف؟ لقد وجدت أسماءهن ورسائلهن! عندما واجهته بالسيارة، ابتسم ابتسامة مرعبة وقال لي: ‘أنتِ الرقم أربعة يا سارة’… هربت من السيارة عندما توقفت عند الإشارة، وركضت دون أن أنظر خلفي حتى دخلت هنا!” فتح الغريب قفل الحقيبة الجلدية بصوت $تك$ حادّ. أخرج من الحقيبة ألبوماً صوراً قديماً ورصّه على الطاولة الرخامية بينهما. فتح الصفحة الأولى…
شهقت سارة وأمسكت حنجرتها. كانت الصورة لعروس بفستان زفاف أبيض، تجلس في نفس هذه القاعة، على نفس هذا المقعد! قلّب الصفحة… عروس أخرى، بفستان مختلف، في نفس القاعة! قلّب الصفحة الثالثة… عروس ثالثة! ثم نظر إليها الغريب بجدية مطلقة وقال: “شريف ليس بشرياً يا سارة. إنه يقتات على أمل العرايس في ليلة زفافهن، يسـ,ـرق سنوات شبابهن ليظل حياً. وقاعة الانتظار هذه… هي المنطقة الفاصلة بين الحياة والمـ,ـوت. كل عروس تجلس هنا، تملك خياراً واحداً فقط.”
وقفت سارة وهي ترتجف بالكامل: “خيار؟ أي خيار؟ هل أنا ميتة؟” وقف الغريب هو الآخر، وأخرج من معطفه مفتاحاً ذهبياً صغيراً ووضعه في يدها الباردة: “أنتِ لستِ ميتة بعد.. أنتِ في اللحظة الفاصلة بين الغيبوبة والحياة. السيارة تعرضت لحـ,ـادث عندما قفزتِ منها. جسمكِ الآن في سيارة الإسعاف، وشريف يقف خارج غرفة الطوارئ ينتظر أن تفيقي لينهي ما بدأه.” أشار الغريب إلى بابين في نهاية قاعة الانتظار لم تلاحظهما سارة من قبل:
الباب الأول (الأحمر): يعيدُكِ إلى جسدكِ في المستشفى الحقيقي… ستستيقظين، وستجدين شريف بجانبك، وعليكِ خوض معركة بقائكِ معه وتقديمه للعدالة بنفسك، لكنكِ يخاطر بحياتكِ. الباب الثاني (الأسود): تعبرين منه إلى النسيان… ستنامين بهدوء، ولن يطالكِ شريف أبداً، لكنكِ ستتركين له فرصة البحث عن العروس رقم خمسة. أمسكت سارة بالمفتاح الذهبي، وصوت جهاز قياس نبضات القلب بدأ يتردد صداه فجأة في أرجاء القاعة المعتمة… ($بييييب… بييييب…$). نظرت سارة إلى الغريب، وظهرت في عينيها لأول مرة لمحة من القوة والشرار بدلاً من الخوف.
مسحت دموعها، وشدّت على أطراف فستانها الأبيض المُلطخ بالطين، وقالت بصوت ثابت: “العروس رقم أربعة لن تكون ضحية… العروس رقم أربعة هي من ستنهي هذه اللعنة.” استدارت سارة مشيت بخطوات وثيقة نحو الباب الأحمر، أدخلت المفتاح، وفتحت الباب لتدخل في ضوء أبيض ساطع، بينما كان الغريب يبتسم في الظلام ويهز رأسه قائلاً: “كنتُ أعلم أنكِ المختلفة يا سارة…” غابت سارة في الضوء، واستيقظت في غرفة الطوارئ على صوت أجهزة القياس، لتجد “شريف” يبتسم عند رأسها ويقول ببرود: “أهلاً بكِ مجدداً يا عروسي…”
لكن هذه المرة… كانت سارة هي من تبتسم! هل ترغب في معرفة ما حدث بين سارة وشريف بعد استيقاظها في غرفة الطوارئ؟